----------
إعلانات
اتصل بنا
الحركة - 11/05/2020


قراءات في زمن كورونا
عدوان جرثومي (1)

بقلم محمد أوزين

بُرْج المراقبة يتلقى نداء إستغاثة من طائرة تطلب المساعدة لهبوط اضطراري. الربان في نوبة هلع يتكلم عن أمور غريبة تجري داخل الطائرة: صراخ وعويل وشجار ودم. اسْتُنْفِرَتِ الأجهزة وعبئت كل نُظٌمِهَا الأمنية وتمت محاصرة المدرج.
دقائق بعد نزول الطائرة، وفي مشهد سريالي، ينفتح الباب، ومن علو يقارب 6 أمتار يسقط شخصان وهما في حالة شجار. ليتبين أن الأمر يتعلق بِرُبَانِ الطائرة وشخص آخر لم تحدد هويته بعد. هذا الأخير يستجمع قواه وينقض على الربان، الذي يبدو أنه لا يزال تحت صدمة السقطة، لِيُجْهِزَ عليه بحركات عدوانية أمام شدوه الجميع. و رغم التدخل السريع للقناصة (snipers) وإصابة الجاني في كتفه، إلا أن الربان كان قد استسلم لجراحه وفارق الحياة.
توفي الربان، وتم القبض على الجاني الذي لوحظ أنه كان في حالة، أقل ما يقال عنها، أنها غير طبيعية. لم تكن لهذا الشخص، والذي كان عائدا من منتجع صيفي بعد قضاء عطلته، أي علاقة بأي تنظيم إرهابي أو راديكالي. كما لا يشهد سجله بأي تصرف عدواني أو إجرامي سابق.
وهنا يبدأ اللغز، الذي سرعان ما سيزداد تعقيدا فور إبعاد فرضية العدوان الإرهابي، في ما يشبه التحقيقات البوليسية ل Hercule Poirot نجم الإستقصاء الإجرامي ل "ملكة الجريمة"Agatha Christie .
إنه ليس مشهدا من فلم الآكشن أو الإثارة كما يمكن أن يتبادر إلى الأذهان، وإنما أحداث واقعية كان مسرحها مدرج مطار أوكسير الفرنسي صيف يوليوز 2003.
بعد إخضاعه لفحوصات طبية، تبين أن الجاني، الذي تسبب في قتل ربان الطائرة، كان يحمل أعراض الإصابة بفيروس غير معروف. دخلت الخلية العلمية والمصالح الطبية المختصة في سباق مع الزمن لإحتواء الوضع. وُضِعَ الركاب البالغ عددهم 133 في حجر صحي. الحصيلة الآنية: 3 موتى (الربان، مساعد الربان، والشخص الذي أجهز على الربان و الذي يبدو أنه حامل للفيروس)، شخصان حالتهما حرجة، و 17 أصيبوا بجروح. المشهد لا يَبْعَثُ على الإرتياح.
وتزداد الإثارة لغموض. الكل يترقب نتائج التحاليل الطبية بعد تشريح الجثت وأخذ عينات من المصابين. بعدها يأتي الخبر اليقين. إنه فيروس H1Z1: فيروس هَجِينٌ يجمع بين سلالة من الإنفلونزا و نُمَيْط من داء السعار (أو داء الكلب la rage)، وهو ما يفسر السلوك العدواني الذي أبان عنه الركاب في الطائرة ، حيث عَمَدُوا إلى مهاجمة بعضهم البعض. فيروس يتميز بفترة حضانة قصيرة لا تتعدى بِضْعَ ساعات حتى تظهر الأعراض. مكون الإنفلونزا داخل تركيبة الفيروس كان عاملا حاسما في إيقاع انتشار العدوى وفي سرعة فَتْكِهِ المرعبة.
لكن ما سِر هذا الفيروس؟ كيف نشأ؟ ولماذا أصاب هؤلاء المسافرين بالضبط؟ وهنا تنطلق فصول قصة مريبة وغامضة.
سارعت التحقيقات المكثفة الأحداث لِفَكِ طلاسم لغز أرخى بظلاله على الساحة. مُنِعَتِ الصحافة من التصوير والتعليق، و طُلِبَ منها التَكَتُمِ على الأمر بذريعة تلافي عرقلة سير البحث و التحقيق، وهو ما تمت الاستجابة له في دولة إسمها فرنسا.
سَبْعُ ساعات مرت على هبوط الطائرة الموبوءة. تعقب المحققون خيوط إقلاع الرحلة ليكتشفوا أن الركاب المصابين هم سياح عائدون من نفس المخيم الصيفي. وهنا سيصادف المحققون أولى خيوط اللُغْزُ. صراخ ورصاص وفوضى في محيط المنتجع. أفراد حالتهم غير طبيعية يطلقون النار عشوائيا وفي جميع الإتجاهات. أضطر الأمنيون للتدخل. وبعد تبادل للنار وسقوط قتلى، تمت السيطرة على الوضع، ثم إجلاء جثت الضحايا وإخلاء المنتجع لتنطلق الأبحاث.
حطت خلية أزمة الرحال بالمخيم، وباشرت عملها لكشف اللغز. وبعد مرور خمسة أيام، وبينما التحقيقات جارية، استشعرت آليات رجال الأمن، عن طريق الصدفة، صوتا خافتا في مكان غير محدد داخل المخيم. ومَرَةً أخرى، يقف الجميع مشدوها محبوس الأنفاس. ما مصدر ومكان هذا الصوت؟ سارع المحققون إلى فحص تصاميم المنتجع، ليهتدوا إلى قبو تحت المسبح. و هنا المفاجأة: شخصان مختبئان في ما يُشْبِهُ غرفة قيادة: شاشات، كاميرات ومعدات للمراقبة.
لم يعد هناك مجال للشك، عادت فرضية العدوان الإرهابي لتطفو على السطح، لكن بصيغة "الهجوم الجرثومي"Attaque Bactériologique . كيف؟
بعد التحقيق مع المعتقلين، تبين أنهما مهندسين كيماويين يشتغلان في واحد من أكبر مختبرات الأبحاث بفرنسا. دخلا إلى المنتجع خِلْسَةً و جعلا منه حقل تجارب بحيث قضيا ثلاثة أسابيع مختبئين في مكان سري يتعقبان تطور الفيروس وأعراضه على السياح الأبرياء. هؤلاء السياح تحولوا بفعل الفيروس إلى وحوش ضارية متنافرة لا يَرْوِي ظمأها إلا دماء ضحاياها.
السؤال: لماذا المنتجع؟ لأنه كان يأوي سياحا من 27 جنسية أجنبية مختلفة من أوروبا وإفريقيا وأمريكا. و بِعَودَةِ هؤلاء إلى ديارهم، يصبح العالم أمام جائحة يصعب التنبؤ بعواقبها.
أصبح فيروس H1Z1 من صنع الإنسان بما لا يقبل الجدل، وأصبحت الفرضية يقينا، لكن من يقف وراء هذا العمل الإرهابي الشنيع؟ من له المصلحة في تمويل مشروع في الهندسة الحيوية من أجل حرب جرثومية تروم القضاء على البشرية؟ من يقف و راء حرب صامتة، خفية، متسترة ومدمرة.
أغْلِقَ الملف واعتبرته وزارة الدفاع الفرنسية قضية سرية. وإلى حدود الساعة، لم يُكْشَف عن وجه من كان يقف وراء هذا الهجوم. فقدت التحقيقات حماسها صدفة. وخفتت سرعة إيقاعها فجأة. ولم يتسرب من خلال تقاريرها سوى خَبَرُ تحويلات مالية مهمة في حساب بنكي للمهندسين الكيماويين، ليسدل الستار على الملف وتُحْفَظَ القضية.
أعتُبِرَ الحادث قضية دولة وتم التكتم عنها. ولم يظهر عبر أعمدة الإعلام ولا في تقارير وروبورتاجات الشاشة أدنى أثر لهذه الواقعة. كل ما تلا الحادث هو بلاغ حول موجة عدوى وباء، علان عن تدمير رُزْمَةٌ من مختبرات الأبحاث السرية.
لنعد إلى السنة التي شَهِدَت أطوار هذا المسلسل المرعب. إنها سنة 2003، وهي نفس السنة التي شهد فيها العالم عدوى لم يكن في الإمكان التكتم عنها هذه المرة. إنه فيروس المتلازمة التنفسية الحادة او ما يعرف ب SARS والذي خَلفَ ألاف القتلى. فهل تَزَامُنُ فيروس H1Z1 و SARS وليد الصدفة؟ لنترك الجواب لفائدة الشك (le bénéfice du doute) كما يحلو القول عند الفرنسيين.
كيف ما كان الحال، لنترك الماضي ولنعد إلى الحاضر. روايات متعددة تتحدث عن منشأ كوفيد 19 استنادا إلى نظرية المؤامرة. أبرزها فرضية تَزْعُمُ أن مختبرات بحث سرية في الصين أو غيرها قد صنعت هذا الفيروس الذي ربما خرج عن السيطرة، أو تم إخراجه بشكل مفتعل، أو ربما استطاع الباحثون تعديل فيروسات لإنتاج كوفيد 19 في مختبراتهم السرية.
الرد جاء سريعا من مجموعة من الباحثين، الذين يدحضون هذه الفرضية. باعتبار أن الفيروس من أصل حيواني. ولو كانت هناك نِيَةٌ لصناعة سلاح بيولوجي أو استحداث كوفيد 19 لَتَم الإشتغال على سلالة فيروس موجود في الطبيعة أصلا، مؤكدين أنه ليس بالأمر المعقد تعديل فيروس ليصبح أكثر سرعة في إصابة الناس بالعدوى، وبفترة أطول للحضانة وبأعراض غير واضحة وبنسبة فَتْكٍ أعلى.
قبل سبعة عشرة سنة، أي سنة 2003، أصدر عالم الفيزياء و الكونيات البريطاني Martin Rees، كتابا بعنوان "ساعتنا الأخيرة" (Our Last Hour) توقع، بل وحذر من كارثة ستهز العالم جَرَاءَ خطأ بيولوجي سيعصف بحياة مليون شخص.
وقائع، قراءات وأطروحات تختلف باختلاف الزمان وتجتمع في الفتك بالإنسان. افتراضات أثبتها الزمان وكَتَمَهَا الانسان. فهل سيبوح الإنسان غدا بما كتمه الزمان سَلَفًا؟

 

AL HARAKA - 2005 - الحركة